ابن سبعين
20
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
أحدها : تحديد المعتقد ، وهو صعب من جهة الاطّلاع على ما في القلب ، وتخليصه مما يشوبه . الثاني : أن الحكم بأن ذلك كفر صعب من جهة صعوبة علم الكلام ، ومواضع استنباطه ، وتمييز الحق فيه من غيره كما تقدم ، وإنما يحصل ذلك لرجل جمع صحة الذهن ، ورياضة النفس ، حتى خرج عن الميل إلى الهوى ، والتعصب ، بالكلية بعد الامتلاء من علوم الشريعة وأسرارها ، وقلّ أن يوجد مثل هذا ، وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير اعتقاده في نفسه فكيف يقدر على تحرير اعتقاد غيره في هذا الزمان الذي صار الناس فيه من كثرة النكد الواقع لهم فيه يشكون في وقت مستهلّ شهورهم وأعيادهم في مدينة مصر مع كثرة ما فيها من العلماء والصلحاء وأكابر الناس ؟ ! نسأل اللّه اللطف . فالقول بتكفير شخص معين بما فهمه العلماء من كلامه في غاية الصعوبة ؛ لتعلقه بالمعتقد الباطن ، مع أنه يشترط في القول بالتكفير اعتراف قائله بما أضمره في قلبه ، وهيهات أن يحصل . وأما البينة فلا تكفي في ذلك ؛ لأنها لا تتعلق إلا بالأمور الظاهرة ، لا بما طريقه الفهم . وإذا رأينا كتابا أوّله : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ، والحمد للّه رب العالمين ) والشهادتان ، وختمه صاحبه بالصلاة والتسليم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما بين ذلك كلام مغلق لا يفهم منه شيء أحسنا الظن به وتركناه ، مع أن جميع ما في كتب القوم لا يتعلق شيء منه بأحكام الشريعة المطهرة ، ولا يرد شيء منها ، ولا يأمر أحدا بترك وضوء ولا صلاة ، ولا زكاة ، ولا صيام ، ولا حجّ ، ولا جهاد ، ولا غير ذلك مما يهدم تركه الدين أبدا . ثم أن الغالب على أهل الأهواء والبدع إنما هو التقليد والانتماء إلى مذاهب أكابرهم على طريقة عوام الفقهاء من عين إحاطة بكنه ذلك المذهب ، وما هو مستمدّ منه من الكتاب أو السنة أو الحقيقة أو المجاز ، والقول بتكفير مثل هؤلاء يجرّ إلى فساد عظيم ؛ لعسر تشخيص الكفر وعدم الإيمان في قلب شخص تسمعه يقول : أشهد لا إله اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه . قد علمت من جميع ما قررناه : إن جميع الأئمة المتقدمين قد مالوا إلى ترك التكفير لأحد من المسلمين ، فبهداهم يا أخي اقتده ، ولا تغترّ بقول مجازف يوهمك التعصب للدين ، ويحط على عقائد كمّل